المقدسي All articles
تحليل إعلامي

قبل أن يصمت الشاهد: أرشيفات عائلية تحفظ رواية القدس القديمة في الولايات المتحدة

المقدسي
قبل أن يصمت الشاهد: أرشيفات عائلية تحفظ رواية القدس القديمة في الولايات المتحدة

Photo: Mediterranea Saving Humans, CC0, via Wikimedia Commons

في قبو منزل في ضواحي ديترويت، حيث تتجاور أسماء الشوارع الإنجليزية مع لافتات عربية على المحلات التجارية، يجلس إبراهيم أبو الخير، ثمانية وثمانين عاماً، أمام مِيكروفون صغير. أمامه حفيده الذي يحمل هاتفاً ذكياً وورقة أسئلة أعدّها بعناية. الهدف ليس مقابلة إذاعية، بل إنقاذ ذاكرة: روايات عن حيّ المغاربة في القدس القديمة، عن سوق البازار وعين السيلوة، عن المدرسة العمومية في بلدة اللفتة قبل عام 1948.

هذا المشهد يتكرر اليوم في عشرات البيوت الأمريكية الفلسطينية، حيث يتحوّل ألبوم العائلة إلى مشروع توثيق شبه مؤسسي، ومِيكروفون الهاتف إلى أداة في معركة الذاكرة.

الأرشيف المنزلي بوصفه خطاباً سياسياً

لم يكن التوثيق العائلي دائماً بهذا الإيقاع. لكن مع تعاظم الخطابات التي تشكك في وجود المدينة القديمة بحيويتها العربية، وجدت العائلات الأمريكية الفلسطينية نفسها أمام ضرورة مزدوجة: حفظ الرواية للأحفاد الذين يكبرون بعيداً عن المكان، وتقديم مادة أولية — شهادات مسجلة، صور مؤرّخة، وثائق عقارية — لجمهور أمريكي يستهلك القضية عبر الإعلام أكثر من الكتب.

يقول باحث فلسطيني-أمريكي يعمل على أرشفة شفهية في إحدى الجامعات ميدويستية إن ما يجري يشبه "بناء سجل مدني موازٍ". فحيثما تعجز الوثائق الرسمية عن نقل حياة الأحياء، تملأ التسجيلات الصوتية الفراغ: كيف كانت تُقرع أبواب البيوت في حيّ الواد، وكيف كانت نساء حيّ المغاربة يتقاسمّ فرن الحيّ، وكيف كان الأطفال يتنقلون بين الكنيسة والمسجد في المناسبات المشتركة.

هذه التفاصيل الصغيرة — التي تبدو للوهلة الأولى أدبية بحتة — هي في جوهرها مادة إعلامية مضادة. فالصورة النمطية التي تنتجها وسائل الإعلام الأمريكية عن القدس غالباً ما تختزل المدينة في مواجهات أو معالم دينية مجردة. أما الشهادة العائلية فتُعيد إلى المدينة ناسها: الجزار، ومعلم المدرسة، وصاحب الدكان الذي كان يحفظ أسماء كل ساكني الزقاق.

من الشريط الكاسيت إلى السحابة الرقمية

تنقسم المشروعات الحالية إلى موجتين. الأولى أقدم، وبدأت بالأشرطة المسجلة في التسعينيات على يد جيل الطلبة الذين أدركوا أن آباءهم وجداتهم يحتضنون روايات لم تُكتب بعد. كثير من هذه الأشرطة ظلّ لعقود في أدراج، حتى جاءت موجة التحويل الرقمي فأخرجته إلى النور.

الموجة الثانية شابة ومنظمة أكثر: مبادرات رقمية يؤسسها الجيل الثالث، تستخدم تطبيقات تسجيل عالية الجودة، وتنظم المقابلات وفق منهجية شبه أكاديمية — أسئلة مفتوحة، خرائط قديمة تُعرض على المسنِّن ليتذكر، صور من أرشيف العائلة تُسأل عن تفاصيلها. بعض هذه المبادرات يرفع مقتنياته إلى منصات أرشفة مفتوحة، ويصنّف التسجيلات حسب الحيّ والعائلة والسنة، محاولاً بناء قاعدة بيانات تُحاكي ما فعلته مشروعات توثيق الهولوكوست في الولايات المتحدة من حيث البنية والمنهج.

واللافت أن هذه المنهجية ليست مستوردة فحسب؛ بل تستفيد من خبرات أمريكية محلية في التوثيق الشفهي، من مشروعات مكتبة الكونغرس إلى أرشيفات المجتمعات المهاجرة في مدن مثل شيكاغو ونيويورك. الفارق أن المادة هنا ليست تذكارية، بل جوهر نزاع على السرد.

الأحفاد الذين يسألون

من أبرز التحولات أن طلب التوثيق أصبح يأتي من الأسفل. فلم يعد الجدّان وحدهما من يرغبان في الحديث، بل الأحفاد هم من يحملون المسجّل. شباب نشأوا في المدارس الأمريكية، تعلموا في صفوف الدراسات الاجتماعية أن لكل حدث روايتين، فقرروا أن يجهزوا رواية عائلتهم قبل أن يتأخر الوقت.

تروي إحدى منسقات هذه المبادرات في كاليفورنيا كيف اكتشفت أن جدتها، وهي ساكنة سابقة في حيّ الواد، تحفظ أسماء الجيران وأرقام بيوتهم بعد سبعين عاماً من مغادرتها. التسجيل الذي أنتجته الجلسة صار اليوم مادة تُعرض في فعاليات مجتمعية، ويُستخدم في ورش داخل المدارس الأهلية والنوادي الجامعية.

هذا الاستخدام التربوي هو ما يميز اللحظة الحالية: الأرشيف العائلي لم يبق في الدرج، بل صار أداءً عاماً — يُقرأ في المساجد والكنائس التي تستضيف فعاليات فلسطينية، ويُعرض في المعارض الجامعية، ويُستشهد به في النقاشات الحوارية على الجامعات الأمريكية، حيث بات النقاش حول فلسطين حاضراً في المشهد العام بشكل غير مسبوق.

سباق مع الزمن

يبقى أن الأفق مقلق. الجيل الأول الذي يحمل الذكرى المباشرة للمدينة القديمة قبل 1948 يغادر واحداً بعد واحد. كل عام يُفقد عدد من الرواة الذين لم يُسجَّلوا بعد. لذلك تتسارع المبادرات، وتتحول عطلة نهاية الأسبوع إلى جلسات تسجيل، وتتحول زيارة العيد إلى فرصة لسؤال الجدة عن أول بيت سكنته في القدس.

المعركة هنا ليست عسكرية ولا دبلوماسية، بل معركة أرشيف. فمن يملك التفاصيل اليومية للحياة يملك رواية المدينة كأماكن عاشت لا كأرض جدل. وفي غرف المعيشة الأمريكية، مع كل ضغطة زر على زر التسجيل، تُكتب فقرة جديدة من هذه الرواية — بلغة الأحفاد، وبنبرة الأجداد، وبضوء عتمة القبو في ديترويت.

All Articles

Related Articles

بين الفصحى والعامية: الجيل الثالث الفلسطيني في أمريكا يستعيد لهجة القدس من جيب هاتفه

بين الفصحى والعامية: الجيل الثالث الفلسطيني في أمريكا يستعيد لهجة القدس من جيب هاتفه

على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟

على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟

كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد

كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد