ورقٌ يحمل اسم مدينة: كيف تحوّلت الطوابع والعملات الفلسطينية في أمريكا إلى أرشيفٍ شعبي للقدس
Photo: vintage Palestinian stamps collection album close up, via d3ums4016ncdkp.cloudfront.net
في زاوية هادئة من معرض هواة الطوابع في مدينة لانغهورن بولاية بنسلفانيا، يفتح مزارع فلسطيني أمريكي من رام الله ألبومًا جلديًا باهتًا. بين صفحاته، طوابع صغيرة تحمل اسم "فلسطين" بالعربية والإنجليزية والعبرية، تعود إلى عهد الانتداب البريطاني، وعدد منها يحمل صورة قبة الصخرة وأسوار البلدة القديمة. لا يبيعها، يقول، بل يحتفظ بها كـ"جواز سفرٍ لمدينة لم يسمح له بالعودة إليها".
هذه المشاهد تتكرر في أرجاء الولايات المتحدة، حيث يتحوّل سوق جمع الطوابع والعملات التذكارية إلى فضاء غير متوقع للاحتفاظ بوجود القدس في الذاكرة المادية.
سوقٌ يخزّن تاريخًا
الطوابع الفلسطينية من عصر الانتداب، والعملات النحاسية التي سُكّت قبل عام 1948، وأوراق النقد التي حملت صورة "قبر داود" أو "جامع Omar"، تُتداول اليوم في مزادات أونلاين شهيرة مثل Heritage Auctions في دالاس وeBay، إضافة إلى منظمات الجمعيين المحلية التابعة للجمعية الأمريكية لهواة الطوابع (APS).
قطعة نادرة مثل ظرف بريدي مؤرّخ من القدس عام 1930 قد تُباع بمئات الدولارات، وأحيانًا بأكثر من ذلك إذا كانت تحمل ختمًا بريديًا واضحًا من مكتب بريد القدس القديمة. لكن قيمتها الحقيقية، كما يؤكد باحثون ومجمّعون فلسطينيون أمريكيون، ليست في سعرها السوقي، بل في كونها وثيقة مادية تُثبت وجود مدينة عربية حيّة باسمها وسكانها واقتصادها قبل أن تُمحى تسميتها من الخرائط الرسمية.
من الهواية إلى الحجة
في أرشيفات عائلية منتشرة في مدن مثل باترسون بنيوجيرسي وديربورن بميشيغان، تُحفظ قطع تذكارية ورقية ومعدنية مرّت بأجيال. يحكي جمعيون من الجيل الثاني أن آباءهم اشتروا هذه القطع في الخمسينيات والستينيات من دكاكين بيت لحم ورام الله، أو استلموها كأوراق ميراث من أقارب بقوا في المدينة.
هذه الوثائق الصغيرة تحمل اليوم وظيفة أعمق: فهي تُستخدم في بعض الحالات كشواهد تاريخية في نقاشات حول حق الملكية والانتماء، إذ تُظهر أن اسم "فلسطين" كان مطبوعًا على عملات رسمية وطوابع بريدية معتمدة دوليًا قبل عقود من النقاشات المعاصرة حول شرعية الوجود الفلسطيني.
خطابٌ مزدوج في المزادات
لكن المشهد ليس بريئًا بالكامل. تشير ملاحظات باحثين في مجال الثقافة البصرية إلى أن بعض القطع تُقدَّم في المزادات الأمريكية بعناوين تشير إلى "أرض إسرائيل" أو تُصنَّف ضمن "التراث اليهودي"، في محاولة لإعادة تأطير معنى القطعة بما يتوافق مع رواية سياسية معينة. طوابع قد تحمل اسم "فلسطين" بالحروف العربية تُصفّ بأنها "طوابع الانتداب" فقط، دون الإشارة إلى الطابع العربي الحضاري للمدينة.
هذا التلاعب الدلالي في التصنيف والوصف هو ما يحذّر منه كتّاب وباحثون فلسطينيون، إذ يتحوّل الألبوم من مساحة ذاكرة إلى أداة صياغة للسردية.
مقاومة على هوامش الورق
في المقابل، بدأت مجموعات فلسطينية أمريكية شابة تتحرك في هذا الفضاء. مبادرات محلية تنظم ورشًا في مدن مثل شيكاغو وواشنطن لتعليم أبناء الجيل الثالث كيفية قراءة الطوابع القديمة، وفهم رموزها، وتوثيق قصصها الشفهية من الأجداد. البعض ينشر هذه القطع على منصات التواصل بصور عالية الدقة وشروحات بالعربية والإنجليزية، محاولين استعادة السياق التاريخي الذي أُزيل من أوصاف المزادات.
ألبوم طوابع في منزل في كاليفورنيا أو ورقة نقدية في خزنة في تكساس ليست مجرد هواية. إنها، في نهاية المطاف، خريطة مصغّرة لمدينة رفضت أن تُمحى، ورقٌ يحمل اسم القدس كما كانت، وشاهدًا صغيرًا على أن الذاكرة، حين تُطبع بالحروف والمعادن، تصعب مطاردتها.