المقدسي All articles
تحليل إعلامي

إبرة ونصل: ورش الحرفيين القدسيين تعبر المحيط لتصل إلى قاعات الدرس الأمريكية

المقدسي
إبرة ونصل: ورش الحرفيين القدسيين تعبر المحيط لتصل إلى قاعات الدرس الأمريكية

Photo: Dor Shabashewitz, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

في الطابق الأرضي من بيتٍ مرمري قرب شارع البطريق، يفتح الحاج سليم النقاش حِرفته على شاشة لا تقل عرضاً عن طاولته. إلى أمامه، في مبنى جامعي على بعد آلاف الكيلومترات، يجلس عشرون طالباً في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، يتابعون حركة المِزمِل على خشب الجوز كما يتابع المرء خطوة أبيه في صلاة.

هذا المشهد لم يعد استثناءً. فمنذ عامين تقريباً، بدأت مبادرات مجتمعية عربية وأمريكية بتنظيم دروس مباشرة عبر الإنترنت تنقل حِرَف القدس التقليدية — النقش على الخشب، صناعة الفسيفساء، الخزف المزجّج المرسوم بالأزرق السماوي — إلى فصول جامعية وقاعات مراكز ثقافية في الولايات المتحدة، بلغتين متوازيتين: العربية لأبناء الجاليات، والإنجليزية لمن أراد أن يفهم المدينة من وراء صوتها لا من وراء عناوينها.

حين تصبح الكاميرا وثيقةً

ما يجعل هذه المبادرات أكثر من مجرد ورش تعليمية هو وظيفتها التوثيقية. فالقدس القديمة تفقد حرفيينها واحداً بعد الآخر: إما بالشيخوخة، وإما بالهجرة القسرية، وإما بتعذّر انتقال المعرفة في مدينة أصبح الوصول إليها وبيئتها الإنتاجية أضيق من أي وقت مضى. ورشة النقاش الذي لا يجد من يتعلم حرفته داخل البلدة القديمة قد تجد ورثته في جامعة ولاية إلينوي.

وهنا تكمن قراءة المقدسي الإعلامية: هذه البثوث ليست محتوى ترفيهياً، بل أرشيفاً حيّاً. فالطالب الذي يسأل الحرفي عن سبب اختيار الزخرفة العثمانية بدل الأندلسية يسجّل، دون أن يدري، معلومات عن طبقات المدينة وسلاسل صناعتها لا تجدها في كتب جاهزة. الحرفة في القدس لم تكن يومات منتجاً جمالياً؛ كانت اقتصاداً وجواراً وذاكرة أسماء أزقة.

الجيل الثالث يطلب الجدّ بالحجز المسبق

اللافت أن أعداداً من المسجلين في هذه الدروس ينتمون إلى الجيل الثالث من الفلسطينيين الأمريكيين — شباب وُلدوا في شيكاغو وهيوستن ونيوجيرسي، وتعلموا العربية من أمهاتهم أكثر من المدارس. بالنسبة إليهم، ليست الحرفة ترفهاً؛ بل وسيلة لملء فجوة بين هويتهم المعلنة وهويتهم المعيشة. تعلّم رسم الفسيفساء بيدٍ واحدة على شاشة مقسمة أقرب إلى التنزّه في شارع باب Hutta من أي محاضرة نظرية.

وتشير منسّقات هذه المبادرات إلى نمط مثير: كثير من الطلبة لا يكتفون بالحصة، بل يعودون إلى التسجيلات مراراً، ويطلبون نسخاً من الزخارف بأسمائها التاريخية. المعرفة هنا تنتقل عن بُعد لكنها تُخزَّن كأنها ميراث موثق، لا كمحتوى يُستهلك ويُنسى.

من الورشة إلى السردية

لا يخفى على أحد أن المدينة تخوض معركة سردية على كل جبهة: الخريطة، والسياحة، والمنصات الرقمية. وفي هذا السياق، تمثّل حِرَف القدس خطاً دفاعياً غير معلن. فالزخرفة القدسية المرسومة يدوياً لا تُنتَج بالآلة، ولا تُستنسخ بلا صاحب حرفة يحمل اسم المدينة في نطقه وأسلوبه. كل طالب أمريكي يتعلم النقش عن بُعد يصبح، ولو ضمنياً، ناقلاً لرواية المدينة في محيطه.

في نهاية الحصة، يرفع الحاج سليم قطعة خشباً منقوشة ويعرضها أمام الكاميرا: «هذه القدس، من يريد أن يحملها، فليحملها بعناية». الشاشة تُسدل. وفي ديربورن، يبدأ عشرون شاباً بمحاولة رسم الخط الأول على ألواحهم. ربما لا يصير أحدهم نقّاشاً. لكن كل واحد منهم صار، منذ تلك اللحظة، حارساً صغيراً على ذاكرة مدينة ترفض أن تُروى من دون حرفيها.

All Articles

Related Articles

بين الرفوف الصامتة: ماذا تخفي مكتبات أمريكا عن ذاكرة القدس؟

بين الرفوف الصامتة: ماذا تخفي مكتبات أمريكا عن ذاكرة القدس؟

خلف شاشة الهاتف: كيف تُعاد صياغة خريطة القدس لسياح أمريكا؟

خلف شاشة الهاتف: كيف تُعاد صياغة خريطة القدس لسياح أمريكا؟

زقاق الباب السلسلة في غرفة شيكاغو: حين تتحول بيوت المغتربين إلى خرائط للبلدة القديمة

زقاق الباب السلسلة في غرفة شيكاغو: حين تتحول بيوت المغتربين إلى خرائط للبلدة القديمة