بين الرفوف الصامتة: ماذا تخفي مكتبات أمريكا عن ذاكرة القدس؟
Photo: Thomas, John,, Public domain, via Wikimedia Commons
في قاعة هادئة بمكتبة الكونغرس في واشنطن العاصمة، يفتح باحث فلسطيني أمريكي صندوقاً أرشيفياً ليخرج منه خريطة يدوية للقدس مرسومة في أواخر القرن التاسع عشر. تظهر فيها أسماء الأحياء بالعربية: باب السلسلة، وادي الجوز، حي المسجد الاقصى. لا شيء في هذه الوثيقة يشير إلى نزاع سياسي؛ إنها ببساطة سجل إداري لعاصمة عربية حية، وهذا بالضبط ما يجعلها ذات قيمة استثنائية اليوم.
وثائق سافرت عبر الأطلسي
كيف وصلت هذه الكنوز إلى أمريكا؟ القصة مزيج من الاستشراق الأكاديمي، والحملات التبشيرية، ودبلوماسية أوائل القرن العشرين. جمع مبشرون ومسّاحون وصنّاع خرائط صوراً فوتوغرافية ومخطوطات وسجلات محاكم شرعية، ثم باعتها أو أهداها لجامعات مثل هارفارد وييل وجامعة شيكاغو، التي بنت من هذه المقتنيات بعضاً من أغنى أرشيفات الشرق الأوسط خارج المنطقة.
وفي مكتبة هارفارد، على سبيل المثال، تُحفظ مجموعات من صور القدس يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، تلتقط حياة المدينة اليومية: تجار في الأسواق القديمة، طلاب في مدارس دينية مسيحية وإسلامية، مزارعون يصلون من القرى المحيطة. هذه الصور لا تحتاج إلى تعليق سياسي؛ إنها تتحدث عن نفسها.
من الأرشيف إلى غرفة المحكمة والصف الدراسي
لم تعد هذه الوثائق حكراً على الأكاديميين. يشير باحثون فلسطينيون أمريكيون إلى أنهم يعيدون توظيفها في ثلاثة مسارات متوازية: التوثيق التاريخي، والدعاوى القانونية المتعلقة بحقوق الملكية، والمحتوى التعليمي الموجه للجيل الفلسطيني الأمريكي الثالث.
سجلات الطابوق والعقار، التي تحفظ بعضها في أرشيفات أمريكية بعد أن نسخها مسؤولون عثمانيون ثم بريطانيون، تُستخدم اليوم لإثبات ملكية عائلات لأراضٍ وبيوت في القدس وضواحيها. وفي آنٍ واحد، يحوّل باحثون شباب هذه المادة إلى خرائط رقمية تفاعلية وبودكاستات بالعربية والإنجليزية، تصل إلى جمهور أمريكي واسع لم يزر المدينة قط.
التحدي: ذاكرة محتجزة خلف حواجز لغوية وإدارية
رغم وفرة هذه المجموعات، يواجه الباحثون عقبات حقيقية. جزء كبير من المخطوطات غير مفهرس بالعربية، وبعض المجموعات تتطلب تصاريح خاصة للوصول إليها، وتكاليف التصوير الرقمي المرتفع تحد من قدرة الباحثين المستقلين على توثيق ما يرونه. هناك أيضاً قضية أكثر حساسية: كيف تُعرض هذه الوثائق؟ فالتسميات والأوصاف في فهارس بعض المكتبات تعكس أطراً استعمارية قديمة تصف المدينة بلغة تهمش حضورها العربي.
تعمل مبادرات أرشيفية شبابية في شيكاغو وديربورن ونيويورك على معالجة هذه الفجوة، عبر ترجمة الفهارس، وربط الوثائق بأسماء العائلات القدسية التي تنحدر منها أجيال تعيش اليوم في الولايات المتحدة، وبناء قواعد بيانات مفتوحة تتيح للجمهور الوصول إلى هذه المادة مجاناً.
الذاكرة كأداة مستقبل
ما الذي يجعل رفوف مكتبات أمريكا ذات صلة بالنقاش حول القدس اليوم؟ الجواب بسيط ومركّب في آن واحد: في زمن تُعاد فيه صياغة الروايات عن المدينة، تبقى الوثيقة الأصلية أقوى حجج الحضور. خريطة مرسومة قبل قرن ونصف، وصورة فوتوغرافية من ثمانينيات القرن التاسع عشر، وسجل عقاري من العهد العثماني، كلها تشكل معاً سجلاً لا يمكن دحضه بسهولة.
على المقدسي، نرى في هذه الأرشيفات فرصة استراتيجية للفلسطينيين في المهجر: فالجامعات الأمريكية ليست بعيدة عن مجتمعاتهم، والوصول إلى هذه المادة ممكن أكثر مما يتصور الكثيرون. المطلوب هو الاستثمار في البحث، وتدريب جيل جديد من الأمناء على قراءة المخطوطات وفهرستها، وتحويل الصمت الهادئ في قاعات القراءة إلى صوت واضح في السجال العام الأمريكي.
فالمكتبات لا تصرخ، لكنها تحفظ. ومن يعرف كيف يستمع إلى همس رفوفها، يجد فيه رواية كاملة عن مدينة لم تتوقف يوماً عن أن تكون عربية وفلسطينية.