المقدسي All articles
قانون وعدالة

حقيبة التقاضي ومفتاح بيت الجدة: محامون فلسطينيون أمريكيون يحملون القدس إلى قاعات المحاكم الدولية

المقدسي
حقيبة التقاضي ومفتاح بيت الجدة: محامون فلسطينيون أمريكيون يحملون القدس إلى قاعات المحاكم الدولية

Photo: Oronsay, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

في مكتب صغير بإحدى ضواحي واشنطن، علّق المحامي سامر عبد النور صورتين متجاورتين: شهادة قبوله في نقابة المحامين بولاية نيويورك، ومفتاح قديم نحاسي لبيان عائلته في حي السلطان داخل الأسوار القديمة للقدس. يقول للمقدسي: «المفتاح لا يفتح شيئاً بعد، لكنه يفتح سبب بقائي في هذه المهنة».

جيل يحمل الجدل إلى القاعة، لا إلى الشارع

لم يكن الطريق إلى كليات القانون الأمريكية — من هارفارد إلى جورج تاون إلى ميشيغان — مفروقاً عادياً لأبناء عائلات فلسطينية هاجرت في السبعينيات والثمانينيات. لكن ما يميز هذا الجيل تحديداً أنه اختار تخصصات دقيقة: القانون الدولي العام، والولاية القضائية الجنائية الدولية، وقانون الاحتلال. واختيارهم لم يكن أكاديمياً بحتاً؛ فالكثير منهم يحمل في سجلّه العائلي وثائق طرد أو فقدان عقار في المدينة القديمة أو في الأحياء المطلة على جبل الزيتون.

بعد التخرج، لم يتوزع هؤلاء بين شركات المحاماة الكبرى في شيكاغو وهيوستن كما هو متوقع، بل اتجه عدد متزايد منهم إلى مؤسسات مثل مركز الولايات المتحدة الفلسطيني للحقوق، ومنظمات قانونية دولية تصغّرها الإدارة الأمريكية تارة وتحاصره تارة أخرى، خصوصاً بعد إقرار الكونغرس قوانين تستهدف محاكمة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.

من ملف الجدة إلى الملف الدولي

العمل يبدأ غالباً بشيء صغير: سند طابو عثماني أصلي، أو صورة ضوئية لعقار في أرشيف بلدية القدس قبل 1948، أو شهادة مسجلة بهجة القدسية من جدة تسرد كيف انتهى العقد الإيجاري في باب العامود. المحامون يحوّلون هذه الوثائق إلى ما يسميه أحد هؤلاء «السجل الإثباتي الإنساني» — مادة قانونية تُستخدم في التقارير المقدمة إلى قرارات المنظمات الدولية ولجان الحقوق.

لكن التحدي الحقيقي، كما يشرح دانيال حداد، باحث قانوني مقيم في ماساتشوستس، ليس في جمع الوثائق بل في «ترجمتها بلغة المحاكم»: كيف تُثبت أن ضريبة عقارية مفروضة بشكل متفاوت تشكل تمييزاً منظماً؟ كيف يُبنى ملف تهجير على مستندات عمرها ثلاثة أجيال؟

حدود القانون الدولي وثقله الأمريكي

لا يخفى على هؤلاء المحامين أن القانون الدولي ليس ميزاناً محايداً معلقاً في الفراغ. القرارات الأميركية — من انتقال السفارة إلى القدس عام 2018 إلى عقوبات تستهدف موظفي المحكمة الجنائية الدولية — تعيد تشكيل ساحة التقاضي نفسها. محامٍ من لوس أنجلوس يصفها بـ«الملعب الذي يتغير أرضه كلما اقتربت الكرة من المرمى».

ومع ذلك، يراهن هذا الجيل على ما يسميه البعض «الاستراتيجية التراكمية»: كل تقرير، وكل رأي استشاري، وكل شهادة أمام لجنة أممية، يُراكم سابقاً قانونياً قد لا يُثمر اليوم لكنه يبقى مرجعاً غداً — كما حدث مع رأي المحكمة الدولية للعدل بشأن شرعية السياسات في الأراضي المحتلة.

بين الهوية والمهنية

السؤال الذي يطرحه أقاربهم في العائلات الأمريكية الفلسطينية بسيط: أليس هذا عملاً خاسراً؟ الجواب الذي يتكرر في المقابلات التي أجراها المقدسي يوازي بين المهنة والذكرى. محامية من ديترويت تروي أن أول قضية رفعتها كانت شكوى أمام محكمة فيدرالية بشأن حق مواطن أمريكي فلسطيني في دخول المدينة لزيارة أرث والده. «لم نربح القضية، لكننا فتحنا باباً لمئات الحالات المشابهة».

هذا الجيل لا يعيش الوهم بأن قاعة محكمة في لاهاي ستعيد رسم حدود القدس. لكنه يؤمن بأن القانون، رغم بطئه وانحيازاته السياسية، يبقى واحداً من قلائل اللغات التي تفهمها الدول — وأن من لا يتكلمها يُحكم عليه بالصمت.

وفي النهاية، يعود سامر عبد النور إلى المفتاح النحاسي المعلق على جدار مكتبه: «لا أترافع عن مفتاح. أترافع عن مبدأ أن للقانون ذاكرة، حتى حين تنسى السياسة».

All Articles

Related Articles

قبل أن يصمت الشاهد: أرشيفات عائلية تحفظ رواية القدس القديمة في الولايات المتحدة

قبل أن يصمت الشاهد: أرشيفات عائلية تحفظ رواية القدس القديمة في الولايات المتحدة

بين الفصحى والعامية: الجيل الثالث الفلسطيني في أمريكا يستعيد لهجة القدس من جيب هاتفه

بين الفصحى والعامية: الجيل الثالث الفلسطيني في أمريكا يستعيد لهجة القدس من جيب هاتفه

على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟

على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟