المقدسي All articles
تحليل إعلامي

على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟

المقدسي
على درب الحجاج: كيف أعادت قيود السفر تشكيل الرحلة الروحية للمسلمين الأمريكيين نحو القدس؟

Photo: Muslim travelers airport passport control prayer, via i.dailymail.co.uk

في صالة انتظار مطار شيكاغو أوهير، كانت أمينة عبد الله تمسك جواز سفرها الأمريكي بيد، وبطاقة صلاة قديمة ورثتها عن جدتها من الخليل باليد الأخرى. كانت تلك أول رحلة لها إلى القدس عام 2016، قبل أن تعيد السياسات الأمريكية اللاحقة تعريف معنى كلمة "السفر" لملايين المسلمين في الولايات المتحدة.

رحلة كانت بسيطة ذات يوم

قبل عقدين، كان الحديث عن زيارة القدس من مجتمعات المسلمين الأمريكيين يشبه الحديث عن رحلة عائلية طويلة. عائلات من ديربورن في ميشيغان، ومن شيكاغو، ومن ضواحي هيوستن، كانت تحجز تذاكرها عبر عمان أو تل أبيب، وتقضي أياما بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى، ثم تعود تحمل معها صوراً وذكريات وعبوات تراب تُدفن في الذاكرة الجمعية للجيل القادم.

لكن عام 2017 غيّر المعادلة. إقرار القيود على السفر من عدة دول ذات أغلبية مسلمة — ما عُرف إعلامياً باسم "الحظر" — لم يمنع المواطنين الأمريكيين المسلمين من السفر تقنياً، لكنه أنتج ما يسميه الباحثون "تأثير الترديد": شعوراً جماعياً بأن الجواز الأمريكي لم يعد يضمن العبور، وأن الهوية الدينية أصبحت علامة استفهام عند كل بوابة تفتيش.

شهادات من الاثنين طرفي الجسر

يقول د. سمير الحسيني، أستاذ القانون الدستوري في جامعة إلينوي، إن الحظر لم يكن مجرد إجراء إداري: "كان رسالة رمزية داخل أمريكا أولاً. المسلم الأمريكي الذي يخط لرحلة روحية بدأ يسأل نفسه: هل سأُستجوب عند العودة؟ هل سيُفحص هاتفي؟ هذه الأسئلة غيّرت قرار السفر قبل أن تصل إلى المطار".

أما فاطمة نور، ممرضة من منيابولس، فتصف تجربتها عام 2019: "سافرت عبر عمّان لأن الطريق عبر تل أبيب أصبح مرتبطاً في ذهني بإجراءات التفتيش المهينة في الجسر. قضيت ست ساعات عند المعبر. لكن لحظة دخولي إلى باحة الأقصى محت كل شيء — ثم جاءت الجائحة وأغلقت كل الأبواب".

وبين الحظر والوباء، تراجعت أعداد المسافرين من المجتمعات المسلمة الأمريكية إلى فلسطين بشكل حاد، بحسب منظمات سفر إسلامية في ميشيغان وإلينوي عملت لعقود على تنظيم رحلات "العمرة والزيارة الموسعة" التي كانت تشمل القدس ضمن مسارها.

بين النص القانوني والحق الديني

من منظور قانوني، يرى الحقوقيون أن القضية تتجاوز إجراءات التأشيرات. حرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولة بالتعديل الأول، لكن السفر الدولي — كما أكدت محاكم أمريكية — ليس حراً دستورية صريحة. وهنا يطرح الناشطون سؤالاً أخلاقياً: إذا كان الوصول إلى أقدس أماكن الإسلام في فلسطين حقاً روحياً، فما مسؤولية واشنطن عن ضمان ألا تتحول سياساتها إلى حاجز غير معلن؟

منظمات مثل "المجلس الأمريكي الإسلامي" (CAIR) وثّقت حالات مسافرين أمريكيين خضعوا لتفتيش مطوّل وأسئلة عن ارتباطهم الديني، ما دفع بعض العائلات إلى تأجيل الزيارة إلى أجل غير مسمى — أو الاستعاضة عنها بجلسات ذكر في قاعات المجتمعات الإسلامية في غرب آسيا الشمالية، حيث تُعلق صور الأقصى على الجدران وتُقرأ قصص الإسراء والمعراج للأطفال الذين لم يروا المدينة قط.

الجيل الذي يقرأ القدس من بعيد

للشباب المسلم الأمريكي — من طلاب الجامعات إلى نشطاء تيك توك — أصبحت القدس قضية يتعلمونها عبر الشاشة قبل الحجارة. حملات التبرع لصندوق الوقف، ودروس الأئمة الافتراضية، ورحلات التضامن الجامعية، كلها صاغت صلة جديدة بالمدينة: صلة شوق مؤجل.

وإذا سألت أمينة اليوم، بعد عقد من رحلتها الأولى، عن حلمها القادم، تجيب دون تردد: "أن أعود مع ابنتي. أن ترى ما رأيت. أن تدري أن الطريق طويل، لكنه ليس مغلقاً".

فالقدس، كما ترويها رحلات هذه الجماعة، ليست وجهة سياحية بل ميثاق. والقيود — مهما بلغت حدّتها — أعادت فقط تعريف الطريق إليها، دون أن تستطيع محو الرغبة في الوصول. فالحجاج بلا حدود، والطريق إلى المدينة المقدسة يبدأ من القلب قبل الجواز.

All Articles

Related Articles

كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد

كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد

على مائدة الشتات: كيف يطهو الأمريكيون الفلسطينيون حنينهم إلى القدس؟

على مائدة الشتات: كيف يطهو الأمريكيون الفلسطينيون حنينهم إلى القدس؟

بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟

بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟