من محاريب أمريكا إلى القدس: الأئمة بين المنبر والضغوط
Photo: Musahfm, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
في زاوية هادئة من ضاحية ديربورن بميشيغان، حيث تنتظم واحدة من أكبر الجاليات العربية الأمريكية، ينتهي الإمام من خطبة الجمعة دون أن يذكر اسم القدس صراحة. لكن في بيت الله المجاور، وبعد صلاة العصر، تُفتح حلقة نقاش بعنوان: "أسرى القدس: قراءة في سورة الإسراء". هذا التفاوت بين الخطبة والحلقة ليس صدفة، بل هو أحد أبرز ما كشفته جولتنا في مساجد أمريكية على امتداد عدة ولايات.
المنبر كفضاء محسوب
الأئمة الذين قابلناهم يتفقون على أمر واحد: القدس حاضرة في وجدان المصلين أكثر مما تظهر على منابرهم. يقول إمام جامع في شيكاغو، وطلب عدم ذكر اسمه، إن "المسألة ليست ترددا في المبدأ، بل وعيا بأن الجماعة ليست متجانسة، وأن الكلمة الطيبة في موضعها أبلغ من الشعارات". ويضيف أن بعض أهل الجماعة من أصول فلسطينية يعيشون القضية كأمر يومي، بينما يرى آخرون فيها قضية مجردة، والخطة التربوية تحاول الجمع بينهما.
هذا الحساب الدقيق يعكس واقع الجاليات المسلمة الأمريكية: فالخريطة الاجتماعية تشمل عائلات فلسطينية وأردنية ومصرية وجنوب آسيوية وأفريقية، ولكل منها علاقة مختلفة بالقضية. والخطبة الجمعة، بحكم طبيعتها الجامعة، تصبح أقرب إلى لغة مشتركة متأنية، بينما تترك التفاصيل الحادة لحلقات التفسير ودوائر الشباب.
بين النص والسياق
الطريق الأكثر شيوعا للقدس في المساجد الأمريكية يمر عبر النص لا عبر السياق السياسي. فقصة الإسراء والمعراج، وآيات "سبحان الذي أسرحى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"، تشكل المدخل الشرعي والأكثر أمانا. إمام في هيوستن يوضح أن "التأصيل النصي يمنحنا ثباتا لا يتأثر بدورات الأخبار، فالقدس في وعي المسلم وعد إلهي واقعة تاريخية، لا ملفا إعلاميا يعلو وينخفض".
لكن هذا التأصيل لا يعني غياب الواقع. في مساجد متعددة، لاحظنا أن أدعية الجمعة تضمنت صلاة لأهل غزة والقدس، وأن حملات الزكاة الموسمية تُوجَّه عادة لفائدة المؤسسات الإغاثية العاملة في فلسطين. الدعاء، في السياق الأمريكي، يشكل أوسع مساحة حرة يمكن أن يتحرك فيها الإمام دون تبعات.
ضغوط من الداخل والخارج
الحديث عن الضغوط لم يكن غائبا عن حواراتنا. فمن جهة، يذكر بعض الأئمة مراقبة خارجية لما يقال في الجوامع، خصوصا في السنوات التي شهدت تقارير عن "تطرف المنابر". ومن جهة أخرى، يواجهون ضغطا داخليا من شباب يطالبون بوضوح أكبر وجرأة أعلى. شابة فلسطينية الجنس في حلقة نقاش بنيوجيرسي تقول: "نسمع في الجامعة نقاشات صريحة عن التهميش والتمييز، ثم نأتي إلى المسجد فنجد لغة عامة جدا. لدينا الحق في أن نسمع كلمتنا".
هذا التوتر بين الجيلين يخلق ديناميكية جديدة. مساجد كبرى في كاليفورنيا وتكساس بدأت تنظم فعاليات سنوية مخصصة لفلسطين، تشمل معارض فنية ومحاضرات لباحثين أمريكيين، بعيدا عن خطبة الجمعة مباشرة، في محاولة لتوسيع الفضاء دون مواجهة.
لغة العبرات: ثلاث مشاهد
المشهد الأول: في مسجد بضواحي ديترويت، خُصصت الجمعة الأولى من شهر رمضان لذكرى حريق المسجد الأقصى عام 1969، وألقى إمام شاب خطبة جمع فيها بين التاريخ والجغرافيا، مستعرضا أسماء أحياء القدس القديمة كأنه يقرأ دفتر عائلة.
المشهد الثاني: في أتلانتا، دُمجت قضية القدس في برنامج مدارس نهاية الأسبوع، حيث يتعلم أطفال الجيل الثاني أسماء معالم المدينة بالعربية والإنجليزية، في مشروع تربوي يصفه منظموه بـ"زراعة الذاكرة".
المشهد الثالث: في مسجد جامعي بوسطن، أقيمت ليلة شعرية بمشاركة فنانين من أصول فلسطينية وغير فلسطينية، قرأوا نصوصا عن المدينة، في تجربة تُظهر قدرة الفن على اختراق الحواجز التي يعجز عنها الخطاب المباشر.
قراءة في الخريطة الكبرى
ما تكشفه هذه المشاهد أن خطاب القدس في أمريكا ليس خطابا واحدا، بل منظومة من الأنواع: خطبة تأصيلية، ودعاء يومي، وحلقة تربوية، وفعالية ثقافية. ولكل نوع موقعه وحدوده. ومن منظور تحليلي إعلامي، فإن هذا التنوع يعكس نضجا مؤسسيا نسبيا للجاليات المسلمة، التي تعلمت أن توزع الخطاب على قنوات متعددة بدلا من تركيزه في لحظة واحدة مكشوفة.
يبقى السؤال: هل يكفي هذا التوزيع ليحافظ على القدس حاضرة في وجدان أجيال المقبلين؟ الإجابة، على ما يبدو، تكمن في قدرة المساجد على الانتقال من الذاكرة الرمزية إلى الوعي المعرفي، بحيث يعرف الشاب ليس فقط أن القدس مقدسة، بل لماذا تُهدد، وكيف تُدافع عنها بالكلمة والعمل المدني في البلد الذي يحمل جنسويته. فهنا، في الفضاء الفاصل بين المحراب والمنصة، يُصنع مستقبل القضية في الوعي الأمريكي المسلم.