خلف شاشة الهاتف: كيف تُعاد صياغة خريطة القدس لسياح أمريكا؟
Photo: KK70088, CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons
خريطة لا تعرف المدينة
حين يخطط سائح من شيكاغو أو دنفر لزيارة القدس، تبدأ رحلته لا من المطار، بل من شاشة هاتفه. تطبيقات الملاحة والتوصيات السياحية — غوغل مابس، تريب أدفايزر، يلب — صارت هي الدليل الأول، بل الوحيد غالباً. لكن ماذا يرى هذا الزائر؟ وهل يرى المدينة كما هي فعلًا؟
تشير ملاحظات باحثين وناشطين رقميين إلى خلل منهجي في الطريقة التي تُعرض بها البلدة القديمة: معالم إسلامية ومسيحية فلسطينية تظهر كنقاط ثانوية، أو تُذكر بأسماء عبرية بديلة، أو تغيب عن قوائم التوصيات تمامًا. المسجد الأقصى نفسه، أوسع موقع ديني في البلدة القديمة، قد يظهر للمستخدم الأمريكي تحت تسمية "جبل الهيكل" أو ضمن سياق إسرائيلي بحت.
الخوارزمية كراوي
ليست المشكلة خطأً عرضيًا، بل نتيجة بنية معلوماتية تُغذّى من مصادر مهيمنة. بيانات الخرائط تعتمد على مصادر رسمية ومراجعات مستخدمين، ومن يملك الوسائل واللغة والموارد يملك السرد. فالمنشآت السياحية الإسرائيلية تستثمر بكثافة في المحتوى الرقمي بالإنجليزية، بينما تفتقر المؤسسات الفلسطينية الصغيرة — دُكّان في سوق الحصر، فنادق عائلية، كنائس تاريخية — إلى الحضور الرقمي ذاته.
النتيجة أن مسار الزائر الأمريكي يُرسم مسبقًا: من بوابة دامركس إلى طريق الحائط الغربي، مع محطة قصيرة أو معدومة في حارة المسلمين أو حارة المسيحيين. المدينة تُختزل في سردية واحدة، والخوارزمية تصبح راويًا منحازًا دون أن يتبدّى له ذلك.
ما الذي يختفي عن الشاشة؟
المقارنة بين ما يعرضه التطبيق وما تعرفه المدينة تكشف فجوات دالة:
- المسجد الأقصى والمصلى القبلي: يُشار إليه غالبًا بمرادفات عبرية، دون سياقه الفلسطيني أو قيوده على العبادة.
- كنائس القدس الأرثوذكسية والكاثوليكية القديمة: تظهر كمعالم أثرية منسوخة من سياقها العربي المسيحي الفلسطيني.
- الأحياء والأسواق: تُقدَّم كـ"بازار" سياحي، لا كأحياء يسكنها فلسطينيون يواجهون تهديداً وجودياً بالتهجير والهدم.
هذا التطميس ليس سلبية بحتة؛ فالمستخدم الأمريكي الذي يبني صورته عن المدينة من هذه المنصات يخرج منها بتصور سياسي مُشكَّل مسبقًا، يُغذّى لاحقًا في النقاش العام الأمريكي حول القدس.
مقاومة رقمية من الأرض
لكن الصورة ليست كلها قاتمة. مبادرات فلسطينية شابة تعمل على استعادة الخريطة: مشاريع خرائط مفتوحة المصدر توثّق الأسماء العربية الأصلية، حملات لتحديث بيانات المواقع على المنصات الكبرى، ومدونات سفر بالإنجليزية توجه الزائر الأمريكي نحو بيوت الضيافة الفلسطينية ومطابخ البلدة القديمة.
في مدن أمريكية مثل نيويورك وديترويت، تنظم جمعيات فلسطينية-أمريكية ورشًا تعلّم أبناء الجالية كيف يوثّقون معالم مدينتهم على الخرائط الرقمية بأنفسهم. إنها معركة حديثة على "الجغرافيا الرقمية"، لا تقل أهمية عن معارك التسمية على الأرض.
الخريطة سؤال سياسي
الخرائط لم تكن يومًا محايدة، والقدس شاهدة على ذلك عبر عقود من تغيير الأسماء وإعادة رسم الحدود. اليوم انتقلت المعركة إلى الخوارزميات، ومن يكتب بيانات المدينة يكتب انطباع ملايين الزوار عنها.
للمستخدم الأمريكي مسؤولية بسيطة لكنها مؤثرة: البحث عن الأسماء الأصلية، قراءة ما وراء التوصيات الأولى، والسؤال عمّا لا تُظهره الشاشة. فالقدس التي يراها الملايين على هواتفهم هي نسخة مُحرَّرة من المدينة — واستعادتها تبدأ بوعي بأن الخريطة نفسها ساحة سرد.
هذا التقرير جزء من تغطية المقدسي المستمرة لملف تحليل الإعلام والصورة الرقمية للقدس.