المقدسي All articles
تحليل إعلامي

كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد

المقدسي
كنافة القدس في مطابخ شيكاغو: الطبق الذي يحمل أسماء الأحياء والأجداد

Photo: Palestinian family cooking knafeh traditional food kitchen gathering, via amazingfoodanddrink.com

في مطبخ عائلة أبو زيد في ضاحية سكوكي بشيكاغو، لا تُوزَن الكنافة بالكيلوغرامات بل بالذكريات. تقول الجدة سعاد، التي غادرت حيّ الواد عام 1967، إن مقلاة الحنة الكبيرة التي أحضرتها معها من البلدة القديمة "تسخن قبل أن يسخن الزيت"، إيذاناً بطقس عائلي تكرر كل جمعة منذ أربعة عقود في الأراضي الأمريكية.

مطبخ بوصفه قناة إعلامية

تميل دراسات الإعلام الثقافي إلى تصنيف وسائل الحفاظ على الهوية ضمن الصحافة والمنصات الرقمية والتعليم. لكن الجاليات الفلسطينية الأمريكية تقدم نموذجاً مختلفاً: المطبخ ذاته يعمل كوسيلة إعلام شعبية، تنقل الأخبار والحكايات والمواقع الجغرافية عبر الوصفة والنكهة ورائحة الدخان. حين يُسمّي الحفيد المولود في نيوجيرسي حيّاً لم يزر قط — الحرم الشريف، خان الزيت، باب السلسلة — فذلك لأن اسم الحيّ مكتوب على بطاقة طبق الحنة التي تُعَدّ في بيته كل خميس.

هذه الظاهرة ليست حكراً على مدينة بعينها، لكنها تكتسب في القدس طابعاً مزدوجاً: فالمدينة ليست وطناً فحسب، بل محوراً لصراع على السردية. وهنا يصبح الطبق القدسي — الكنافة البيضاء ذات القشرة الناعمة، بخلاف النابلسية الحمراء — أداة توثيق غير مكتوبة، تُعيد إنتاج الانتماء في كل مناسبة عائلية.

الكنافة: جغرافيا الطعم

الكنافة القدسية الفاتحة اللون، المغموسة بالقطر ومزينة بالفستق، تحمل في الجالية الأمريكية مكانة رمزية تفوق كونها حلوى. تُحضَّر في مناسبات العقيقة والتخرج وخطوبات الأبناء، ويُطلب من الجدة أو الخالة "القدسية المولد" الإشراف عليها، لأن اليد التي تعرف المذاق الأصلي تُعدّ ضمانة للأصالة.

في مطاعم شارع كلارك بمدينة شيكاغو، وفي محلات البقالة الشرق أوسطية في باترسون بنيوجيرسي، تُبَاع أوانٍ خاصة بتحضيرها، وتُنشر مقاطع فيديو قصيرة على تيك توك تعلّم الجيل الثالث كيف يُفرد شعير الكنافة باليد دون أن يتكتل. بهذا المعنى، تتحول الوصفة إلى نص إعلامي متداول، يُعاد إنتاجه وتعديله وتأويله جيلاً بعد جيل.

الحنة: طبق الأعراس وأرشيف الحارات

طبق الحنة — الدجاج المطهو ببطء مع القرفة والبهارات الداكنة فوق خبز الورقة أو الأرز — يحتل موقع الطبق الاحتفالي الأول في العرسان الفلسطينيين الأمريكيين. لكن ما يميز الحنة القدسية في الذاكرة الشفوية للجالية هو ارتباطها بأسماء الحارات: حارة الحنة عند بعض العائلات القادمة من حول السلسلة، وطبق العرس الذي كان يُوزَّع على الجيران في حيّ المسجد الأقصى.

تروي عائلات في ديربورن بولاية ميشيغان، موطن أكبر تجمع عربي في الولايات المتحدة، أن جدّاتهن كنّ يحددن مقدار القرفة "على قدر ما كنّ يذكّرن من البيت"، كأن الكمية نفسها وحدة قياس للحنين. هذا النوع من التفاصيل لا يوجد في كتب الطبخ، بل في الأرشيف غير المكتوب الذي يديره المطبخ.

الجيل الثالث: من المستهلك إلى الراوي

التحدي الذي تواجهه الجالية اليوم هو الانتقال من الطبق كمناسبة إلى الطبق كمعرفة. الأبناء المولودون في أمريكا يتعلمون الوصفات عبر مجموعات واتساب عائلية، وحسابات إنستغرام تديرها شابات فلسطينيات أمريكيات يحترفن توثيق وصفات الجدات بمعايير إنتاج حديثة: قياسات دقيقة، ومقاطع مرئية، وخرائط للبلدة القديمة تُعلَّق في المطابخ.

هذا التحول يحمل دلالة إعلامية بالغة: فالجيل الثالث لم يعد مستهلكاً سلبياً للذاكرة، بل أصبح راوياً فاعلاً يعيد صياغتها بوسائل العصر. حين يصوّر شاب من طنجير، في كاليفورنيا، فيديو عن تحضير أكل الورقة العنابية على طريقة جدته القدسية، فإنه يمارس عملاً صحفياً بمعناه الأعمق: توثيقاً وحفظاً ونشراً لسردية مهددة بالاندثار.

الطبق كخطاب سياسي

في سياق القدس، لا يمكن فصل المائدة عن السياسة. فالمدينة تخوض صراعاً يومياً على تغيير هويتها، من التهجير السكاني إلى محاولة إعادة كتابة تاريخها. وفي مقابل هذا الصراع، تقدم موائد الشتات نموذجاً مضاداً: كل طبق قدسي يُحضَّر في ديترويت أو هيوستن هو خطاب تأكيد على أن الهوية القدسية تنتقل بالوراثة والطعم والذاكرة، لا بالقرارات الإدارية.

لعل الخلاصة أن أطباق القدس في الولايات المتحدة تؤدي وظيفة أرشيف حيّ: لا تحتجز ذاكرتها في أدراج، بل تعيد تدويرها أسبوعياً على موائد العشاء. وحين يسأل أحد الأحفاد عن معنى اسم حيّ ما مكتوب على بطاقة الطبق، فإن الجواب الذي يتلقاه هو درس في الجغرافيا والتاريخ والانتماء، يُقدَّم مع القطر والفستق، ويبقى أطول أثراً من أي عنوان في كتاب.

All Articles

Related Articles

على مائدة الشتات: كيف يطهو الأمريكيون الفلسطينيون حنينهم إلى القدس؟

على مائدة الشتات: كيف يطهو الأمريكيون الفلسطينيون حنينهم إلى القدس؟

بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟

بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟

من محاريب أمريكا إلى القدس: الأئمة بين المنبر والضغوط

من محاريب أمريكا إلى القدس: الأئمة بين المنبر والضغوط