المقدسي All articles
تحليل إعلامي

بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟

المقدسي
بين المنبر والمعلّق: ماذا يقول أئمة مساجد أمريكا عن القدس يوم الجمعة؟

Photo: Muhammadsuhayl, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

على بعد أميال من الضجيج الإعلامي حول القدس، يجتمع كل جمعة آلاف المصلّين في مساجد موزعة من ديربورن إلى هيوستن، ومن شيكاغو إلى فرجينيا الشمالية. يصعد الخطيب إلى المنبر، ويواجه جمهورًا يشكّل في معظمه جالية مسلمة تعيش بين ذكرى الأجداد وواقع البلد الجديد. فماذا يسمع هذا المصلّي عن القدس؟ هذا ما حاول مسح ميداني أن يجيب عنه، بتتبع خطب الجمعة في أكثر من ثلاثين مسجدًا عبر ولايات أمريكية مختلفة على مدى أسابيع.

ثلاث لغات للقدس على المنبر

لم تكن النتيجة مفاجئة بقدر ما كانت كاشفة: القدس تصل إلى المصلّين الأمريكيين عبر ثلاث لغات متمايزة، تتباين بحسب خلفية الخطيب وجمهوره.

اللغة الأولى روحانية صرفة، تُقدّم القدس ضمن سياق الإسراء والمعراج وفضل المسجد الأقصى، دون أي إشارة إلى الوضع السياسي الراهن. هذه اللغة تسود في مساجد ذات أئمة من الجيل الثاني، أو تلك الحريصة على تجنّب أي ما قد يُقرأ كنشاط سياسي.

اللغة الثانية سياسية صريحة، تتحدث عن الاحتلال وقرار نقل السفارة وجرائم المستوطنين، وتأتي غالبًا في مساجد عربية الامتداد، ولا سيما ذات الحضور الفلسطيني والريفي القوي في ولايات مثل ميشيغان ونيوجيرسي.

أما اللغة الثالثة، وهي الأكثر شيوعًا، فهي اللغة الثنائية: فقرة عن الفضيلة والتاريخ، تليها جملة أو جملتان حذرتان عن "الظلم الذي يقع على أهل فلسطين"، ثم انتقال سريع إلى موضوع الخطة الأصلية كالأخلاق والزكاة والأسرة.

الفجوة بين المنبر والمنصة الرقمية

المفارقة التي يوثّقها المسح أن الجمعيات الإسلامية نفسها تنشر عبر مواقعها وقنواتها على يوتيوب محتوى أجرأ بكثير مما يُقال على منابرها. في مسجد كبير في إلينوي، لم يتجاوز إشارة الخطيب إلى القدس ثلاثين ثانية، بينما يحتوي حساب الجمعية على فيديوهات مطولة عن تهويد المدينة وشيكات تُحوَّل إلى منظمات إغاثية تعمل في الضفة.

هذه الفجوة ليست تناقضًا بقدر ما هي حساب للمخاطر. الأئمة يعلمون أن المنبر مفتوح، وأن حضوره قد يضم صحفيين أو متطرفين يبحثون عن "الدليل"، بينما المحتوى الرقمي يصل إلى جمهور مختار بالفعل. وهكذا يصبح المحتوى المتقدم هو الحد الأقصى للخطاب، والمنبر هو الحد الأدنى الآمن.

الجيل الجديد يطلب أكثر

لكن المشهد يتغير من الأسفل. في جلسات النقاش بعد الصلاة، وخاصة في المساجد الجامعية، يتكرر سؤال واحد: "لماذا لا نتحدث عن القدس أكثر؟" يرى الشباب أن الصمت أو التلطيف شكل من أشكال التبرؤ، بينما يرد كبار السن بالحديث عن "حكمة الموقف" وحماية المؤسسة من اتهامات معروفة.

في مسجد بولاية تكساس، نظّم شباب المصلين حلقة دراسة أسبوعية مستقلة عن خطبة الجمعة، خصصوها للقدس، مستخدمين خرائط ومصادر تاريخية بالإنجليزية. الحلقة تجاوز عدد حاضرينها عددًا من صفوف الصلاة نفسها في عطلات الصيف — إشارة إلى أن الطلب موجود، والمشكلة في العرض.

من الوعظ إلى الوعي

القدس، كما تُروى في مساجد أمريكا، ليست قضية غائبة، بل قضية مُدارة. يُقال عنها ما يُحتمل، ويُصمَت عنها ما يُخشى. غير أن هذه المعادلة تضعف أمام جيل أمريكي مسلم يتعلم تاريخ فلسطين من مصادر رقمية لا من خطب الجمعة، ويشك في أن الصمت رغبة لا ضرورة.

التحول الحقيقي لن يقع بمناشدة الأئمة على الشجاعة، بل حين تدرك المؤسسات الإسلامية أن الوعي الشعبي بالقدس لا يُبنى بإشارة عابرة في نهاية الخطة، بل بمحتوى متواصل يربط بين الفضيلة والتاريخ والواقع. حينها وحدها يصبح المنبر شريكًا في صناعة الوعي، لا مجرد محطة يُعاد فيها تدوير ذكرى المدينة كل عام في ذكرى الإسراء.

All Articles

Related Articles

من محاريب أمريكا إلى القدس: الأئمة بين المنبر والضغوط

من محاريب أمريكا إلى القدس: الأئمة بين المنبر والضغوط

الجغرافيا كخطاب: قراءة في أسماء شوارع القدس وحدودها الإدارية

الجغرافيا كخطاب: قراءة في أسماء شوارع القدس وحدودها الإدارية

بين كاتدرائيات الغرب الأوسط وقبة الصخرة: الخريطة المسيحية الأمريكية لمدينة القدس

بين كاتدرائيات الغرب الأوسط وقبة الصخرة: الخريطة المسيحية الأمريكية لمدينة القدس