الجغرافيا كخطاب: قراءة في أسماء شوارع القدس وحدودها الإدارية
Photo: Ahed izhiman, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons
في الولايات المتحدة، اعتاد القارئ أن يرى تغيير اسم شارع احتفاءً بمعركة مدنية أو تكريماً لشخصية تاريخية، كما حدث في صفقات إعادة تسمية شوارع باسم مارتن لوثر كينغ عبر مدن أمريكية عدة. لكن في القدس، تحمل أسماء الشوارع والحدود البلدية دلالة مختلفة تماماً: فهي ليست احتفاءً بل أداة إعادة رسم للمدينة نفسها، وتمرير صامت لرواية واحدة على حساب سكانها الأصليين.
الخريطة بوصفها نصاً سياسياً
عندما يفتح ساكن فلسطيني في حي سلوان أو وادي الجوز خريطة المدينة الرسمية، لا يرى خطوطاً محايدة توجّه حركته فحسب، بل يقرأ نصاً سياسياً مكتوباً بلغة الإدارة. أسماء شوارع مستحدثة تحمل مفردات توراطية أو أسماء مستوطنين، وتصنيفات لونية للمناطق — أخضر وأزرق وأحمر — تحدد ما يُسمح به وما يُمنع، من البناء إلى التنقل إلى فتح محل تجاري.
هذه التفاصيل تبدو بيروقراطية على السطح، لكنها تشكّل ما يمكن تسميته «الاحتلال الإداري»: ممارسة تُدار عبر القرارات البلدية واللجان التقنية بدلاً من الاحتكام المباشر للقوة. وهو نمط قد يفهمه القارئ الأمريكي حين يستحضر تاريخ خطوط الأحمر في المدن الأمريكية، حيث رسّمت خرائط التمويل العقاري مصائر أحياء كاملة بمعزل عن إرادة سكانها.
الحدود التي تتحرك والتصنيفات التي تُقيّد
الحدود البلدية للقدس ليست خطاً ثابتاً وفق معطيات جغرافية طبيعية، بل امتداد مرن وسّع بعد عام 1967 ليشمل أراضٍ فلسطينية واسعة أُلحقت بالمدينة لأغراض تخطيطية وسكانية. داخل هذه الحدود، تُصنَّف المناطق بمعايير تمنح سلطات التخطيط سلطة شبه مطلقة: مناطق تُسمح فيها البسطة العمرانية بحدود ضيقة جداً للفلسطينيين، ومناطق تُصنّف «أخضر» فتُحرم من البناء كلياً، بينما تتسع المخططات الاستيطانية على الأراضي ذاتها.
النتيجة عملية ويومية: منزل يُهدم لأنه بُني دون ترخيص يكاد يستحيل الحصول عليه، ومدرسة تقع خارج التصنيف المسموح فتعاني من الإهمال، وطريق سريع يربط المستوطنات ببعضها ويقطع الأحياء الفلسطينية عن بعضها. بهذا المعنى، لا تحتاج الخريطة إلى عنف ظاهر لتفرض واقعها؛ يكفي أن تُدار بيد من يملك قرار التصنيف.
الأسماء بوصفها سردية
أسماء الشوارع ليست تفصيلاً ثانوياً. فحين تُستبدل تسمية عربية قديمة بتسمية مستحدثة، أو يُطلق اسم مستوطن على محور رئيسي، فإن الخريطة تعمل كوسيلة إعلامية بحد ذاتها: تُعيد إنتاج السردية كل يوم لسائقٍ يمرّ، لطفلٍ يقرأ لافتة، لمستخدم خرائط رقمية في شيكاغو أو هيوستن يبحث عن عنوان في القدس. الخريطة الرقمية التي يعتمدها ملايين المستخدمين حول العالم تنقل هذه التسميات كما هي، فتتحول من أداة إدارية محلية إلى خطاب عالمي بلا تعليق ولا سياق.
من هنا يصبح تحليل الخرائط جزءاً من «تحليل إعلامي» بالمعنى الدقيق: فالصورة التي يحملها الجمهور الأمريكي عن القدس لا تُصنع في التقارير الإخبارية وحدها، بل في كل خريطة تُطبع وكل تطبيق ملاحة يُستخدم وكل لافتة تُركّب.
لماذا يهم هذا القارئ الأمريكي؟
الجمهور الأمريكي اعتاد أن يفرّق بين العنف الظاهر، الذي تلتقطه الكاميرات، والإجراءات الهادئة التي لا تصنع عناوين. لكن التجربة الأمريكية ذاتها — من رسم حدود الأحياء إلى إعادة التسمية الرمزية — تثبت أن السياسات الإدارية قادرة على إنتاج واقع ديموغرافي كامل بلا رصاصة واحدة. فهم القدس عبر خرائطها يمنح القارئ الأمريكي بوصلة أوضح: الاحتلال ليس لحظة مواجهة فحسب، بل تراكم قرارات بلدية، وتصنيفات لونية، وأسماء شوارع تُكتب وتُمحى حتى تصبح المدينة نفسها شهادة على نزع الملكية اليومي.
قراءة الخريطة بهذه الطريقة ليست ترفاً أكاديمياً، بل شرط لفهم ما يجري في المدينة الأكثر تغطية إعلامياً وأقلها فهماً.