ما وراء العناوين: كيف تصنع الصحافة الأمريكية صورة القدس؟
Photo by Photo by Bank Phrom on Unsplash on Unsplash
عندما يفتح القارئ في شيكاغو أو هيوستن صحيفة «نيويورك تايمز» أو يشاهد نشرة إخبارية على شبكة سي إن إن، لا يقرأ الأخبار فحسب، بل يستقبل منظومة كاملة من المصطلحات والاختيارات اللغوية التي تشكّل فهمه لما يجري في القدس. إن الكلمات ليست محايدة أبداً، وفي ملف فلسطين تحديداً، أصبحت اللغة ساحة صراع لا تقل أهمية عن ساحات المدينة نفسها.
لغة التغطية: حين يصبح المصطلح موقفاً
لاحظ الباحثون في تحليل الخطاب الإعلامي أن الصحافة الأمريكية السائدة تميل إلى استعمال مفردات بعينها عند الحديث عن القدس وفلسطين. فالإطارات الفلسطينية تُوصف غالباً بأنها «صراع» متكافئ بين طرفين، فيما تُقدَّم السياسات الإسرائيلية — من الاستيطان إلى تهويد القدس — بلغة سلبية تحجب الفاعل: «مبانٍ جديدة قُيدت الموافقة عليها» بدلاً من «قررت إسرائيل بناء مستوطنات».
كما أن كلمة «القدس» نفسها تُقدَّم للقارئ الأمريكي غالباً منفصلة عن سياقها؛ مدينة دينية تتصادم فيها الأديان، لا مدينة يعيش سكانها الأصليون تحت نظام تمييز موثّق لدى منظمات حقوقية أمريكية مرموقة مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية. هذا «التطبيع الديني» للمدينة يفرّغ القضية من محتواها السياسي والقانوني، ويحوّلها إلى نزاع عقائد قديم لا حل له، وهو بالضبط ما يجعل الانحياز يبدو طبيعياً ومقبولاً.
الثغرات البنيوية في التغطية
الانحياز في الإعلام الأمريكي لا يتخذ شكل تلفيقات صارخة، بل يظهر فيما يُحذف قبل أن يظهر فيما يُذكر. فالدراسات الكمّية لتحليل المضمون — ومنها دراسات أجرتها مجموعات رصد أكاديمية في جامعات أمريكية — تشير إلى فوارق مقلقة: التقارير التي تروي معاناة الفلسطينيين نادراً ما تضمن اقتباساً من فلسطيني، بينما تُستضيف أصوات مسؤولين إسرائيليين بانتظام. وتُستعمل كلمات مثل «وفاة» للفلسطينيين و«قتل» للإسرائيليين في السياق نفسه.
ثمّة ثغرة ثانية تتمثل في غياب السياق التاريخي. القارئ الأمريكي يُطَّع على صور القدس كمسرح لشحنات دينية، لكنه نادراً ما يسمع عن طرد سكان حي الماغربي عام 1967، أو عن سياسات الحيازة السكنية والهدم المنظم في الأحياء القدسية مثل السوانة والسلع، أو عن قوانين مركزية مثل قانون الاعتراف بالقدس كعاصمة عام 1995 الذي سبق قرارات التسعينيات والقرن الجديد. الغياب ليس صدفة؛ فالسياق هو ما يمنح الجمهور أدوات الحكم على الأحداث.
القارئ العربي الأمريكي: من مستهلك للخبر إلى صانع له
هنا يكمن السؤال العملي: ماذا يفعل المهاجر أو المواطن العربي في الولايات المتحدة الذي يرى هذا الخلل ويشعر بعجزه أمام آلة إعلامية عملاقة؟ التجربة الأمريكية نفسها تقدّم إجابات، فالتغيير في الخطاب الإعلامي في هذا البلد لم يأتِ يوماً من فوق، بل من ضغط منظم من جمهور وناشطين ومجتمعات محلية.
أولاً، التصحيح المنهجي. لدى الصحف الأمريكية الكبرى آليات رسمية لتلقي الملاحظات، وتصحيحات منشورة تُلزمها بالدقة. رسالة مهذبة وموثّقة تطالب بتعديل مصطلح أو إضافة سياق تُسجَّل في السجل، وتُراكم أثراً حين تتكرر بالآلاف.
ثانياً، المشاركة بالإنجليزية. الرسائل المكتوبة بالعربية تُصنَّف أحياناً خارج دائرة الاهتمام. أما المقالات القصيرة في الصحف المحلية، والمشاركات في برامج الحوار الإذاعي، والتعليقات الموقّعة من أكاديميين وأطباء ومحامين عرب أمريكيين، فتدخل صلب النقاش الوطني بلغة الجمهور.
ثالثاً، دعم البديل. ظهرت في العقد الأخير منافذ إعلامية فلسطينية أمريكية بالإنجليزية — مثل «مندي ويست» (Mondoweiss) و«ذا ماركولا تشالنج» — تُرصّد التغطية المنحازة وتنتج محتوى بمعايير مهنية عالية. الاشتراك فيها والدفاع عنها أمام المعلنين والجهات المانحة استثمار مباشر في تنويع المشهد الإعلامي.
رابعاً، العمل داخل المؤسسات. أصبح حضور الصحفيين والكتاب العرب الأمريكيين في غرف الأخبار الأمريكية حقيقة متزايدة، وتنظيمات مثل المجلس العربي الأمريكي لمكافحة التمييز تقدم تدريباً ومتابعة لقضايا التمثيل الإعلامي. التقدم الوظيفي داخل هذه المؤسسات ليس ترفاً؛ فمن يكتب العنوان غداً هو من يُدرَّب اليوم.
نحو خطاب يُسمع
إن معركة المصطلحات — «مستوطنة» أم «حي»، «احتلال» أم «نزاع»، «تهويد» أم «تطوير» — ليست ترفاً لغوياً، بل هي المكان الذي يُصنع فيه الرأي العام الأمريكي الذي يحدد بدوره سياسات واشنطن تجاه القدس. والجمهور العربي في الولايات المتحدة، بما يحمله من معرفة مباشرة وارتباط أصيل بالقضية، هو أوضح من يستطيع أن يقدّم الرواية الفلسطينية بلغة هذا البلد ومفاهيمه.
في المقدسي، نؤمن بأن صوت القدس لا يُكتفى بالدخان والاحتجاجات فحسب، بل يحتاج إلى كلمات دقيقة تُكتب وتُنشر وتُدافع عنها في الصحف والجامعات والاستوديوهات الأمريكية. فالمدينة المقدسة تُحرس بالحجارة، لكنها تُنصَر أيضاً بالسرد.