المقدسي All articles
تحليل إعلامي

زقاق الباب السلسلة في غرفة شيكاغو: حين تتحول بيوت المغتربين إلى خرائط للبلدة القديمة

المقدسي
زقاق الباب السلسلة في غرفة شيكاغو: حين تتحول بيوت المغتربين إلى خرائط للبلدة القديمة

Photo: Alisdare Hickson from Woolwich, United Kingdom, CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons

في منزل عائلة أبو لبدة في ضاحية من ضواحي شيكاغو، لا يفتح الباب على ممر عادي، بل على ما تصفه صاحبة البيت بأنه "زقاق الباب السلسلة". جدار طويل مغطى بصور فوتوغرافية للأزقة الحجرية، فانوس نحاسي معلق في الأعلى، وسجادة قديمة أهدتها الجدة لما هاجرت من حيّ الواد عام 1967. الغرفة ليست ممراً يُعبر، بل محطة تُقف عندها العائلة وتحكي.

هذا المشهد لم يعد استثناءً. من ديربورن إلى باترسون، ترسم ظاهرة صامتة لكنها متسارعة ملامحها في بيوت الجاليات الفلسطينية الأمريكية: غرف وركنيات تحمل أسماء أحياء القدس وأزقتها، تتحول المنازل إلى خرائط معيشية للمدينة التي يصعب على كثيرين زيارتها.

المنزل كأرشيف حي

يلاحظ باحثون في دراسات الشتات أن المهاجرين من الجيلين الثاني والثالث يميلون إلى تثبيت الذاكرة في الفضاء المادي حين يتعذر الوصول إلى المكان الأصلي. الغرفة المقدسية في البيت الأمريكي ليست ديكوراً فحسب؛ إنها ممارسة أرشيفية يومية. خريطة قديمة للبلدة القديمة معلقة قرب طاولة الطعام، مفتاح نحاسي معلق في إطار، صورة لدير المسيح أو باب الخط مطبوعة على قماش.

في باترسون، نيوجيرسي، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة، تحوّل متجر صغير لبيع الحرف اليدوية إلى نقطة عبور لهذه الذاكرة. يعرض المتجر لوحات خزفية بأسماء الأحياء، وخرائط مطبوعة محلياً، وقطعاً من التطريز الفلسطيني مطرزة بأسماء أبواب البلدة القديمة. يقول صاحبه إن أكثر ما يطلبه الزبائن "ليس التذكار، بل الدليل" — شيء يثبت للضيف أن صاحب البيت يعرف المدينة زقاقاً زقاقاً.

اقتصاد مصغر للحنين

الجانب التجاري من الظاهرة يستحق التوقف. فقد نشأت خلال السنوات الأخيرة شبكة من المتاجر الإلكترونية الصغيرة، يديرها فلسطينيون أمريكيون من الجيل الثاني غالباً، تبيع منتجات مرتبطة بالقدس تحديداً: مطبوعات لخرائط المندلباوم عام 1900، أعمال فنية رقمية للأزقة، فانوسات مصنوعة في الولايات المتحدة على غرار الفوانيس الشامية. تُروَّج هذه المنتجات عبر إنستغرام وتيك توك، وتصل ذروة مبيعاتها في موسم رمضان وعيد الميلاد، حين تتحول الغرفة المزينة إلى فضاء للضيافة والصيام والاحتفال.

هذا الاقتصاد المصغر يثير سؤالاً مشروعاً: هل يتحول الحنين إلى سلعة؟ الجواب الأدق أن السلعة هنا وسيط لا غاية. فالقطعة المشتراة من متجر فلسطيني في كاليفورنيا لا تحل مكان المدينة، بل تحفظ حضورها في جدول يومي: كوب قهوة أمام صورة باب الرحمة، وطفل يسأل عن اسم الحي المكتوب على اللوحة، فتُروى حكاية.

من الديكور إلى الخطاب

للظاهرة بعدٌ يتجاوز الجمالية. فحين تتحول الغرفة إلى مسمى — "غرفة الواد"، "ركن باب العمود" — يصبح المنزل الأمريكي نقطة إرسال لخطاب ثقافي نحو الأبناء والضيوف الأمريكيين. عائلات كثيرة تستقبل فيها زواراً من الجيران والزملاء، فتتحول الجلسة إلى درس جغرافي وتاريخي غير مباشر، بعيداً عن المونولوج السياسي الذي يفرّغه كثير من الأمريكيين.

في هذا المعنى، تعيد البيوت المقدسية إنتاج المدينة بوصفها مكاناً للعيش اليومي لا مجرد قضية إخبارية. وهي بذلك تكمل ما بدأته منابر المهجر وأرشيفاته العائلية: جعل القدس حضوراً محسوساً في التفاصيل، من الجدار إلى المائدة إلى اسم الغرفة التي ينام فيها الحفيد.

قد يبدو الأمر بسيطاً — لوحة خزفية، خريطة، فانوس. لكن في زمن تُدار فيه الذاكرة بالصور والاستهلاك، يمثل هذا الركن المقدسي في البيت الأمريكي عملاً مقاوماً بحد ذاته: رفضاً لانقضاء المدينة من لغة العائلة، وإصراراً على أن الأزقة التي لا تُزار تُسمّى، وأن ما يُسمّى لا يُنسى.

All Articles

Related Articles

لقبٌ يسبق صاحبه: كيف تسكن القدس ضواحي أمريكا الصغيرة مع عائلات قادمة من الضفة

لقبٌ يسبق صاحبه: كيف تسكن القدس ضواحي أمريكا الصغيرة مع عائلات قادمة من الضفة

حين تتقاطع الأجراس مع الأذان: مدن أمريكية صغيرة تصنع تحالف القدس من الأسفل

حين تتقاطع الأجراس مع الأذان: مدن أمريكية صغيرة تصنع تحالف القدس من الأسفل

عندما يدق جرس القيامة في ديترويت: البث المباشر الذي يجمع المهجر بجذوره

عندما يدق جرس القيامة في ديترويت: البث المباشر الذي يجمع المهجر بجذوره