بين كاتدرائيات الغرب الأوسط وقبة الصخرة: الخريطة المسيحية الأمريكية لمدينة القدس
Photo: Jeffrey Beall, CC BY 3.0, via Wikimedia Commons
عندما تتخذ القدس قراراً سياسياً في واشنطن، لا يكون القرار منتجاً لمراكز الفكر والعلاقات الدولية وحدها، بل لخريطة دينية معقدة تمتد من الكنائس الإنجيلية الضخمة في الجنوب الأمريكي إلى الأبرشيات الكاثوليكية في الشمال الشرقي. إن فهم هذه الخريطة شرط ضروري لفهم أي مسار مستقبلي للسياسة الأمريكية تجاه المدينة.
التيار الإنجيلي: القدس في اللغة النبوية
يمثل الإنجيليون الأمريكيون، وخاصة التيار الأصولي منهم، أوسع قاعدة شعبية دينية متعاطفة مع مفهوم القدس الموحدة. في كنائس هيوستن وأتلانتا وديترويت، يُقدَّم للمصلين سردية ترى في عودة اليهود إلى أرضهم مفتاحاً لتحقيق نبوءات كتابية، وهذا ما يفسر الحماس الشعبي الكبير لقرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2017.
لكن هذا التيار ليس كتلة واحدة. هناك صوت إنجيلي صاعد، أبرز أسمائه جيم واليس وأبناء جيل جديد من القساوسة، يعيد قراءة النصوص الكتابية عبر عدالة العدل والمظلومين، ويطرح سؤالاً مباشراً: هل يمكن أن تكون القدس مدينة نبوات دون أن تكون مدينة عدالة لسكانها؟
الكاثوليك: حضور دبلوماسي وموقف حذر
على النقيض من الحماس الإنجيلي، يتبنى الكاثوليك الأمريكيون موقفاً أكثر تحفظاً، يتأثر مباشرة بالفاتيكان وتقاليده الدبلوماسية. الكنيسة الكاثوليكية، التي تحتفل بوجود تاريخي راسخ في الأراضي المقدسة عبر البطريركية اللاتينية والفرانسيسكان، ترى في القدس مدينة أمانة يجب أن تحتفظ بطابعها المفتوح لكل الأديان.
هذا الموقف يترجم عملياً إلى دعم مواقف الفاتيكان من الدولية الخاصة للمدينة، ومعارضة المبادرات الأحادية التي تغير هويتها. وفي انتخابات الولايات المتحدة، يمثل الكاثوليك قاطرة انتخابية ضخمة لا تستطيع أي إدارة تجاهلها، مما يمنح موقفهم وزناً لا يُستهان به في المعادلة.
الجمعيات والمعاهد: اللاعب الصامت
إلى جانب الكنائس، تعمل شبكة من المنظمات والمعاهد الأمريكية المسيحية التي تُشكل رأي صناع القرار. منظمات مثل "أصدقاء إسرائيل المسيحيين United" و"الوفد المسيحي للأراضي المقدسة" تجمع ملايين الدولارات وتوجهها نحو مشاريع في القدس والضفة، وتنظم رحلات سنوية لأعضاء الكونغرس إلى المدينة.
هذه الرحلات ليست سياحية بحتة، بل هي أداة تشكيل وعي مباشر. النائب الذي يزور القدس ضمن برنامج ديني منظم يعود إلى واشنطن برؤية مختلفة عن زميله الذي لم يزرها، وهنا تكمن القوة اللينة لهذه الشبكات.
التصويت والعدد: لماذا يهتم واشنطن؟
الإنجيليون يشكلون نحو ربع الناخبين الأمريكيين، وتقاليدياً يشكلون قاعدة أساسية للحزب الجمهوري، بينما يتوزع الكاثوليك بين الحزبين مع ميول متغيرة حسب المرشح والمنطقة. هذا الوزن الديموغرافي يعني أن أي مرشح رئاسي، من أي حزب، يجب أن يضع موقفه من القدس في الحسبان ليس فقط كسياسة خارجية، بل كسياسة تصويت داخلية.
وهنا يكمن الجهد التحريري الحقيقي: القدس ليست قضية خارجية تقليدية في الحياة السياسية الأمريكية، بل هي قضية داخلية تُدار بلغة الإيمان والهوية. ولذلك فإن أي تحليل للسياسة الأمريكية تجاه المدينة يبدأ من كنائسها، لا من مكاتبها الدبلوماسية.
صوت مسيحي بديل: نحو رؤية أخرى
لا ينبغي أن يُفهم المشهد المسيحي الأمريكي ككتلة واحدة تدعم مساراً واحداً. هناك منظمات مثل "أصوات مسيحية من أجل السلام" و"الجمعية الفلسطينية الأمريكية المسيحية" تعمل بلا كلل لتقديم رواية أخرى، رواية ترى في القدس مدينة لكل أبنائها، مسيحيين ومسلمين ويهود، وتناشد الضمير الإنجيلي الأمريكي لا مجرد مشاعره النبوية.
هذا الصوت ما يزال أصغر من نظيره المحافظ، لكنه ينمو، خاصة بين الأجيال الشابة من المسيحيين الأمريكيين الذين بدأوا يشككون في السرديات الموروثة. ومع تعمق الوعي الأمريكي بالواقع الفلسطيني، قد تشكل هذه التيارات لاحقاً قوة موازنة حقيقية.
خاتمة: المدينة والمرآة
تبقى القدس مرآة يعكس فيها الأمريكيون أنفسهم الدينيين والسياسيين. كل تيار يقرأها على طريقته، وكل قراءة تُنتج سياسة. وبينما تستمر هذه الديناميكية، يبقى على المراقب العربي أن يفهم أن طريق التأثير في واشنطن لا يمر فقط عبر قاعات الكونغرس، بل عبر المنابر والكنائس والمعاهد التي تصنع وعي الملايين. وفهم هذا المشهد، هو الخطوة الأولى نحو بناء رواية عربية واضحة تصل إلى هذا الجمهور الحاسم.